في نوفمبر من عام 2012 وقفتُ أمام لجنة التحكيم لأدافع عن فكرةٍ لا أؤمن بها.
لم يكن ذلك من اختياري، بل كانت تلك قاعدة المسابقة التي نظمها نادي المناظرات في الجامعة: يُطرح موضوعٌ عشوائي، ويُقسَم المتناظرون قسمين، فريقٌ يؤيد وفريقٌ يعارض، ولا أحد يسأل أحداً عن قناعته. تُسحب الورقة، فإذا أنت مدافعٌ عن رأيٍ كنت بالأمس تجادل ضده.
أذكر الضيق الأول. شيءٌ في النفس يقاوم، كأن اللسان يستأذن القلب والعقل فلا يأذنان. كيف أبني حجةً لفكرةٍ أراها خطأ؟ كنت أظن الإقناع امتداداً للإيمان، فإذا بالمسابقة تفصل بينهما عمداً، وتقول لي: أقنعنا أولاً، ثم آمن بما شئت.
ثم بدأ الدرس يتكشف.
اكتشفت أنني لكي أدافع عن الفكرة دفاعاً يصمد، لا يكفي أن أحفظ حججها، بل عليّ أن أسكنها. أن أبحث عن أقوى ما قيل فيها لا أضعفه، وأن أفهم لماذا يراها أصحابها صواباً، وما الذي يرونه ولا أراه. وجدتني أقرأ بعينٍ جديدة، عينِ من يبحث عن الحق في كلام خصمه لا عن الثغرة في حجته.
وحين انتهت المناظرة لم تتغير قناعتي حول الفكرة، بل خرجت بشيءٍ أثمن: إدراك بأن وراء كل رأيٍ يخالفني إنساناً يرى من زاويةٍ لم أقف فيها يوماً. قد يكون مخطئاً، وقد أكون، لكن الطريق إلى الحكم يمرّ أولاً بالفهم.
تلك الليلة من عام 2012 ما زالت تعمل في داخلي إلى اليوم. أراها حاضرةً كلما جلست في اجتماعٍ يحتدّ فيه الخلاف، فأمسك نفسي عن الرد لأسأل أولاً: ما الذي يجعل هذا الرأي معقولاً في عين صاحبه؟ وأراها حاضرةً في زمنٍ صارت فيه المخالفة تهمة، والرأي الآخر عدواً يُحاصَر لا جاراً يُحاوَر.
علّمتني المناظرة أن أحمل الفكرتين معاً في رأسٍ واحد من غير أن ينفجر: فكرتي التي أؤمن بها، وفكرة خصمي التي أفهمها حتى أكاد أدافع عنها. وأدركت متأخراً أن هذه ليست مهارة للمناظرة والمجادلة، بل هي صورة من صور الرحمة بالعقول.
ولا يزال سؤالٌ يلازمني منذ ذلك اليوم: لو أُجبر كلٌّ منا، مرةً واحدةً في عمره، أن يقف فيدافع بصدقٍ عن رأي خصمه، فكم خصومةً في هذه الدنيا كانت ستختفي قبل أن تشتعل؟